-1-كان الطقس خريفا..تزاحم اوراق الاشجار الصفراء بعضها بعضا..في حركات لولبية تكاد تنطق باسم الخريف
فتارة تدور بسرعة حول بعضها..وتارة تضرب بعضها بقوة...متصارعة كانه صراع وجود..
لم يكن خالد في تلك الليلة قد قدم عرضا بعد..او انه لن يقدم نظرا لظروفه الصحية التي تدهورت جراء الطقس المريع
فجلس في مقطورته بعيدا عن اضواء الخيمة, ناظرا من شباك المقطورة الزجاجي الصغير..الى تلك الاوراق
فكانت كل حركة التفافية تقوم بها..يترجمها الى حركة فعلية .. فيتخيل نفسه الورقة الكبرى..بين مساعدات
صغيرات, طال ذلك المشهد كثيرا..فامتد الى ما يقارب الساعتين..وما زال خالد يراقب ذلك السيرك الصغير
الذي قدمته تلك الاشياء الصغيرة..التي بدأ فنّها..فقط بعد موتها , وسقوطها!!
لم يقطع حبل افكار خالد سوى طرقات خفيفة..على ما يبدو طرقات نسائية على باب المقطورة..
فرد قائلا:
-من هناك؟
-انا سلوى .. حان موعد العرض يا خالد..ارتدي ثيابك اسرع
فيذهب خالد بخطوات متثاقلة يجر نفسه جرا نحو الباب ويفتحه قائلا:
- سلوى..ما زلت مريضا, اطلبي من مروان ان يحل الليلة مكاني ايضا ارجوكِ..آلامي تزداد وعيوني تغمض اجفانها
لا تقوى على النظر حتى..
- لكن يا خالد..انه العرض الثالث الذي تفوته..وبصراحة قد سمعت بعضهم يتهامسون ان المدير عوني
قد بدأ يفتقدك..وبدأتَ تثير حولك التساؤلات , خالد ارجوك لا اريد ان يتم طردك..حاول ان تقوم بالعرض
لو لهذه الليلة فقط على الاقل.
- حسنا حسنا..سارتدي ثيابي وآتي..لكن ان وقع لي مكروه وانا امشي على الحبال ستكونين انتِ السبب..
قال خالد بمزحة اختلطت بمعالم الجدية..
فتقول سلوى ضاحكة:
- حسنا حسنا ايها البهلوان..لو كنت ستقع يوما, لوقعت حين انهارت الخيمة وانت على الحبل منذ عامين..هيا هيا تحرك
- حاضر, اسبقيني وجهزي الفريق.
اغلق خالد الباب وعاد بحركات لا تقل تثاقلا عن حركاته قبل المحادثة, فعلمه ان الليلة سيقدم عرضا قد زاد من همه
وزاده مرضا وتكاسلا.
بدا خالد بارتداء ملابس العرض يتسائل بينه وبين نفسه..كيف سيقدم العرض وهو لا يقوى حتى على الحراك؟ وهل هناك
من احد يستطيع تسلق سلم خشبي وهو مريض, حتى يتأرجح على حبال معلقة؟؟
لم تسعفه تساؤلاته, فالعرض كان قد بدأ, وكان الفريق في انتظاره في خيمة السيرك.
هناك, كان الجميع جاهزا حين دخل عليهم خالد, طويل اللحية اشعث الشعر ساهي العيون في يده اليمنى كوب من القهوة
وفي الاخرى حبل الامان الخاص به.
- هل انتم جميعا متواجدون؟
سأل خالد بصورة غير مبالية وكان سؤالا استنكاريا. فهو يعلم انه اخر الحاضرين..وبعد ان اجاب الجميع في صوت واحد
بالايجاب ردا على سؤاله, بدأوا بالركض نحو ساحة العرض واجتمع دخولهم مع حركات بهلوانية من قفز والتفاف وصعود
ونزول.
بدأ الحاضرين بالتصفيق الحار فقد كانوا على احمر من الجمر لعرض البهلوانيين هذا, وخصوصا مع خالد قائد الفرقة
الذي قدم عروضا خلال السنين المنصرمة تحدثت عنها المجلات والصحف. وبعد فوزه بجائزة البهلوان الذهبي على حركاته
الحصرية التي اجتاحت سمعتها الشرق الاوسط وقفزت نحو أوروبا.
كان خالداً قد اعتاد النظر الى الجمهور فيتفحص الموجودين والوجوه التي ترقبه من بعيد, رغم ان الروتين القاتل قد خيم
بهالته السوداء على هذا التصرف..الا ان تلك الليلة كانت ليلة استثنائية بالنسبة لخالد..!!!
فمن خلال مئات الوجوه التي ترقبت صعود خالد الى حبل التأرجح..شد خالد وجهٌ ملائكي جميل يجلس في الدرجة الاولى
بشرة قحمية..عيون, كعيون المها كللها السواد..شعرٌ تراوح ما بين الاجعد والناعم..ما بين الاملس والاخشن
انسدل على ظهرها كشلال ماءٍ في احدى عيون الفردوس. انفٌ رقيق جدا, لا يكاد يستطيع القيام بمهمته المتمثلة بالشم
وكان الفم هو الجزء الاكثر وصفا..حيث بالرغم من العدد الكبير الذي يراه يوميا من الناس..لم يرى خالدا يوما فماً
محمر الشفتين..عاجي الاسنان ابيضها, كهذا الفم.
كان كل ما رآه خالد قد دخل ذهنه في ثانية واحدة حين التفت اليها وشاح بنظره عنها لثانية اخرى..وبعد ان استجمع
افكاره وفكر بهول جمال ما رأى, نظر ثانية الى مكان وجود تلك الحسناء...لكن المقعد كان فارغا!!
ثانية واحدة شاح بناظريه عنها..ففقدها..انتهى مرض خالد الجسدي..وبدأ مرضه النفسي الذي يسمى..
تلك الحسناء..من تكون؟؟
انتظروا الجزء -2- قريبا